هل تُنتجُ التربيةُ الحديثة أجيالاً زجاجية؟
يرى خبراءُ الزراعة أنَّ الشجرةَ التي لا تُسقى إلا بقدرِ حاجتها، وتُتركُ لتُصارعَ العطشَ حيناً، هي التي تضربُ بجذورِها في أعماقِ الأرضِ بحثاً عن الحياة؛ وبذلك تكتسبُ القدرةَ على الصمودِ أمامَ الرياحِ العاتية. في المقابل، فإنَّ نباتاتِ "الظل" التي تحظى بالرعايةِ المفرطةِ والريِّ الدائم، تظلُّ رقيقةَ العود، تنهارُ عندَ أولِ تغييرٍ في المناخ.
هذا المبدأُ الفطريُّ ينسحبُ تماماً على واقعِ التربيةِ المعاصرة.
لقد استقرت في الكثيرِ من البيوتِ ثقافةُ (التربيةِ الوقائيةِ المفرطة)؛ حيثُ لا يتوقفُ دورُ المربي عندَ تمهيدِ الطريق، بل يتجاوزهُ إلى محاولةِ إزالةِ كلِّ ذرةِ غبارٍ قد تزعجُ الأبناء، وخوضِ معاركِهم بالنيابةِ عنهم. هذه الممارسةُ - وإن كان دافعُها العاطفة - تسببت في ظهورِ ما يمكنُ تسميتهُ بـ "جيلِ الزجاج"؛ وهو جيلٌ يملكُ مهاراتٍ تقنيةً واسعة، ولكنه يفتقرُ إلى "الصلابةِ النفسية" اللازمة لمواجهةِ تعقيداتِ الواقع.
مظاهرُ الهشاشةِ الناتجة عن التدليلِ الجارف:
- انعدامُ المناعةِ النفسية: حين يُمنعُ الطفلُ من مواجهةِ تبعاتِ أخطائه، أو يُحمى من الشعورِ بـ "ألمِ الإخفاق"، فإنه يُحرمُ من بناءِ القدرةِ على التكيفِ مع الأزمات، فيصبحُ الانكسارُ النفسيُّ هو النتيجةَ الحتميةَ عندَ أولِ عقبةٍ حقيقيةٍ في مقتبلِ العمر.
- عقليةُ "الاستحقاقِ المزيّف": إنَّ تلبيةَ الرغباتِ قبلَ نُطقِها تخلقُ إنساناً يعتقدُ أنَّ العالمَ مدينٌ له بكلِّ شيء دون جهد، مما يُعطلُ روحَ "المجاهدة" ويحولُها إلى اتكاليةٍ مُطلقةٍ على الآخرين.
- غيابُ مفهومِ الجدية: إنَّ البيوتَ التي تتحولُ إلى واحاتٍ للترفِ الخالص، وتغيبُ عنها قيمُ "المسؤوليةِ والواجب"، تخرجُ نماذجَ بشريةً لا تملكُ النَفَسَ الطويلَ في العمل، ولا الصبرَ على مشاقِّ التحصيلِ والإنتاج.
إنَّ المهمةَ الجوهريةَ للمحضنِ التربوي ليست "حمايةَ" الناشئ من الحياة، بل هي "إعدادُه" لخوضِ غمارِها بوعيٍ واقتدار. فالمنحُ الماديُّ المفرطُ يصبحُ سَلباً إذا أدّى إلى إضعافِ القوةِ الكامنةِ في النفس.
خديعةٌ تربويةٌ كبرى
"إنَّ محاولةَ تجهيزِ الطرقِ للأبناءِ بدلاً من تجهيزِ الأبناءِ للطرق، هي خديعةٌ تربويةٌ كبرى؛ فالعواصفُ لا تُحابي أحداً، ولا ينجو منها إلا من تعلّمَ كيف يغرسُ جذورهُ في الصخر، ويستمدُّ قوتَهُ من عمقِ التحدي."
المربي الدكتور عبد الكريم بكار
