صيدا سيتي

هندسةُ العقول.. هل نعيشُ أكبر عملية "بناء عصبي" لأدمغتنا عبر اللسان؟

ركن المعرفة والفكر - الخميس 05 شباط 2026 - [ عدد المشاهدة: 70 ]

انتهى زمنُ التخمينات، وبدأ عصرُ المكاشفة عبر "الرنين المغناطيسي"؛ حيث كشفت دراسةٌ علمية حديثة نشرتها إحدى الدوريات العالمية المتخصصة في علوم الدماغ، عن حقيقةٍ مذهلة تتجاوز حدود اللسانيات لتصل إلى عمق التكوين البيولوجي. الدراسة الصادرة عن معهد "ماكس بلانك" في ألمانيا أثبتت أنَّ "اللغة الأم" هي المهندس الأول الذي يشكل هندسة الدماغ وشبكات التواصل بين مراكزه المعرفية.

المعضلةُ ليست في "الأعراق"، بل في "الشيفرة اللغوية"

أثبت الباحثون بعد فحص مجموعتين من المشاركين (عرب وألمان)، أنَّ الروابط العصبية التي تكون ضعيفة عند الولادة، تتشكل وتتقوى بناءً على "اللغة" التي يتم ممارستها في الصغر. وبحسب نتائج البحث، فإنَّ هذا الاختلاف لا يعود لخلفيات عرقية، بل للجهد الذهني النوعي الذي تفرضه كل لغة على خلايا الدماغ ومساراته أثناء عملية المعالجة.

"الحقائق المذهلة" التي كشفتها الأشعة

خلافاً لما كان يُعتقد سابقاً من أنَّ مسارات اللغة واحدة عند جميع البشر، كشفت صور الأشعة الدقيقة عن فروقٍ جوهرية في بناء "الجسور العصبية" تتبع الخصائص اللغوية:

المتحدثون بالعربية: أظهرت نتائجهم زيادةً مذهلة في الترابط بين نصفي الدماغ (الأيمن والأيسر). والسببُ يكمن في كون اللغة العربية لغةً "عميقة الدلالات"؛ فهي تتطلب طاقة ذهنية مكثفة لفك رموز المعاني واستخراج الدلالات من جذور الكلمات وسياقاتها. هذا "الاستنفار" الربطي بين فصي الدماغ يمنح المتحدث بالعربية قدرةً مميزة على معالجة المعلومات بشكل شمولي وربط المعاني بالصور الذهنية.

المتحدثون بالألمانية: أظهرت صورهم ترابطاً مكثفاً ومركزاً في الفص الأيسر. والسبب أنَّ لغتهم تعتمد على "التركيب النحوي المعقد"؛ حيث يضطر الدماغ لانتظار نهاية الجملة ليجمع أجزاء النحو ويفهم المعنى، مما يقوي مراكز التحليل المنطقي المتسلسل في الجانب الأيسر من الدماغ.

عملية "نحتٍ عصبية" مستمرة

تُشير هذه النتائج إلى أنَّ اللسان الأم يحدد "نظام التشغيل" الأساسي للعقل، ويؤثر في كيفية عمل الذاكرة ومعالجة المسموع. وهنا تبرز أهمية تعلم لغة ثانية وثالثة؛ فإذا كانت اللغة الأم تبني "الطريق الرئيس" في الدماغ، فإنَّ تعلم اللغات الأخرى يفتح "مسارات إضافية" واتصالاتٍ جديدة، مما يزيد من مرونة العقل وقدرته على استيعاب منطق مختلف وتوسيع آفاق التفكير المعرفي.

المحفز الأقوى 

اللغة العربية هي اللسان الذي اختاره الله تعالى ليكون بياناً لكتابه المعجز، وهي بشهادة العلم الحديث "أقوى مُحفز" لخلق توازن واتصال بين فصي الدماغ. إنَّ العناية بها في البيوت ليست مجرد حفاظٍ على هوية، بل هي تأمينٌ لنمو "عقلٍ شمولي" للأبناء.

الوقتُ الآن هو وقتُ "الاستثمار في العقل"؛ عبر تعليم الأبناء اللغة العربية لتقوية جسور عقولهم، وتعليمهم اللغات الأخرى لفتح آفاقٍ جديدة لتفكيرهم، وحماية ألسنتهم من "الهُجنة اللغوية" التي لا تبني منطقاً ولا تحفظ هوية.

السيادةُ تبدأ من "لسان القرآن".. ففيه سرُّ القوة، وهندسةُ العقل.

المربي الدكتور عبد الكريم بكار


 
design رئيس التحرير: إبراهيم الخطيب 9613988416
تطوير وبرمجة: شركة التكنولوجيا المفتوحة
مشاهدات الزوار 1013139711
الموقع لا يتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. من حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد معزواً إليه.
موقع صيداويات © 2026 جميع الحقوق محفوظة