اختلاس الفضيلة
بنى سليمان صلاحه كما تُبنى ناطحةُ سحابٍ من ورق؛ كلما ازداد ارتفاعها، تعاظم الرعب من هبوب ريح الحقيقة، تلك التي قد تكشف أن وراء هذا الورع الظاهر فراغًا أخلاقيًا موحشًا. تمثّلت الإشكالية في أن سليمان سرق الفضيلة ذاتها؛ إذ اتخذ من التقوى رداءً يخفي تحته شبكةً من الأنانية المفرطة والتلاعب بمشاعر المريدين.
واجهة من نور
في حيّنا الهادئ، كان سليمان يُقدَّم بوصفه البوصلة الأخلاقية. إذا اختلف اثنان قصدا بابه، وإذا احتاج أرملٌ إلى شهادة حسن سيرة وسلوك، عُدَّ توقيعه الصكَّ الوحيد المعتمد. كان يتحدث بصوتٍ خفيض، يزن كلماته بميزان الذهب، ويحرص على أن يراه الجميع وهو يوزّع أرغفة الخبز على الفقراء عند مدخل الجامع. ومع ذلك، ظل سؤالٌ معلّق: من أين يرتزق هذا الرجل؟ وكيف لموظفٍ بسيطٍ سابق أن يمتلك هذا الفيض من العطايا؟
كواليس الزيف
بدت الحقيقة أبسط وأخبث مما يتصوّره عقلٌ نقي. كان سليمان يختلس السمعة ليجمع التبرعات من الميسورين خارج الحي، ثم يقتطع نصيب الأسد لنفسه، قبل أن يلقي بالفتات إلى من يضمن صمتهم بجميله. تجاوز الاختلاس حدود المال إلى اختلاس المكانة؛ إذ صادر حق الآخرين في الفعل، واحتكر لنفسه دور المخلّص الأوحد.
في منزله، خلف الأبواب الموصدة، ظهر وجهٌ آخر. عامل زوجته بجفاءٍ يناقض خطبه عن رفق القوارير، وحاسبها على كل قرشٍ تنفقه، فيما أسرف ببذخ على عباءاته المطرّزة التي تعزّز صورته المهيبة أمام الناس. غدت الفضيلة لديه عملةً استثمارية؛ يضخّ فيها قدرًا محسوبًا من التمثيل ليجني أضعافه وجاهةً وسلطةً اجتماعية.
لحظة التصدّع
جاء السقوط من حيث احتسبه أقلّ الناس. طفلةٌ صغيرة تُدعى ليلى، كانت تراقب من نافذتها المطلة على زقاقٍ خلفي يلتقي فيه سليمان بوسطاء غامضين. شاهدت “القديس” وهو يوبّخ سائلًا بإهانةٍ فادحة حين غابت العيون، ثم يمسح وجهه بوقارٍ مصطنع فور لمح قادمٍ من بعيد. أخبرت ليلى والدها، وبدأت خيوط الحكاية تتفكك.
تبيّن للناس، على مهل، أن الصناديق التي كان يجمعها تصل منقوصة، وأن قصص الزهد التي يرويها ستارٌ لحساباتٍ بنكية متضخّمة. تمحورت الصدمة حول إفلاس الثقة أكثر من خسارة المال؛ فقد سُلب منهم الأمل في صورة الإنسان الكامل.
الرماد
غادر سليمان الحيّ في ليلةٍ غاب فيها القمر، تاركًا خلفه فراغًا مريرًا. تمثّلت المأساة فيما خلّفه أكثر مما حمله معه: جيلٌ كامل من الشباب ينظر إلى كل صاحب فضيلة بعين الارتياب، مقتنعًا بأن وراء كل ثوبٍ أبيض نفسًا معتمة. كانت جريمته الكبرى تحويل الخير إلى شبهة، والتقوى إلى مادّةٍ للسخرية.

