الرؤوس التي تطفو
رأت المدينة صيّاديها صورًا معلّقة في بهو البلدية: وجوهٌ مصفّاة كملحٍ قديم، عيونٌ مسمّرة عند خطّ الماء، وأيدٍ تشبه شباكها في القسوة والتشابك. النوم سؤال، والحلم مادة عائمة: سمكٌ فضّيّ يبرق فجأة ثم يتفلّت، وفراغٌ يترك في الأصابع أثرًا أبرد من الفجر.
في ذلك اليوم، ارتدت الشمس قناع الإعلان. حرارةٌ صريحة، لافتةٌ مفتوحة على اتساع الواجهة. هناك، ازدحمت الرؤوس: صيّادون، مانحون، مسؤولون. رؤوسٌ محمولة على أقمشة متباينة - بدلات، قمصان، أثواب عمل - وكلّ رأس يحمل بحرًا صغيرًا: رزقًا، خوفًا، ومقامرة بقاء.
على المنصّة، انزلقت الكلمات مثل خيوط شطرنج. أسماءٌ لامعة، أرقامٌ مصطفّة، ووعودٌ تُمسك بأسطولٍ وبحّارة كما تُمسك الخيوط بدمية. مفردات ثقيلة تهبط ثم تتفتّت قرب الأحذية، موجٌ واهن يتعلّم الاصطدام.
توالت الأصوات. نبرةٌ هادئة تجرّ خلفها «رؤية»، وأخرى تلمّع «إنتاجية»، وثالثة تصقل «كلفة». كل كلمة سكينٌ صغيرة تُجرّب حدّها في يوم الصيّاد: معركة عند الفجر، حساب عند الغروب، ظلّ فقرٍ يراقب الموج.
حديث الأعوام صار زمنًا مكثّفًا. محاولات فهم، خرائط تدخل، صبرٌ طويل. في عمر الصيّاد، العام مساحة ماء؛ يتّسع حين يفيض، يضيق حين ينحسر.
وعند الحافة، مدنٌ بعيدة تلوح من الذاكرة: بحرٌ مُسيّج للترفيه، وماءٌ يُصافح العيون ثم يعود إلى صمته. هنا، الماء دفتر رزقٍ مفتوح على الريح.
الصيّادون يصغون. الرؤوس تميل، العيون تلتقط اللمعان. «عِدّة صيد متكاملة» - عبارة تشعّ كسمكة نادرة. وعدُ وفرة؟ أم ترتيبٌ أجمل للخسارة؟ السؤال يطفو مثل عوامة، يطلب ثِقَلًا.
الشكر طقسٌ قصير. كلمةٌ تحمل وزن الأكفّ المتعبة، وملح الوجوه، وخطوط الشمس المحفورة.
ثم النساء. حضورٌ ينسج نفسه بهدوء. تدريبٌ على الشباك، وصبرٌ على العقد. وجوهٌ خلف الصفوف، وأثرٌ يشبه المدّ والجزر: صامت، شامل.
تستمرّ الرؤوس في الطفو. عدساتٌ تلتقط ابتساماتٍ مهيّأة، شبكاتٍ جديدة، خطّافاتٍ تلمع. ابتسامات تسأل بصمتٍ حاد: كفاية؟ صمود؟ سوقٌ يبدّل وجهه أسرع من الريح؟
في الخلفية، بحر صيدا يهمس كعملاقٍ يغطّ في نومه. يسمع العناوين، يتذوّق الوعود، ويحتفظ بحكاياته: رجالٌ يدخلون زرقة الماء، بعضهم يعود، وبعضهم يترك اسمه للملح. والموج، بمخالبه القديمة، يواصل امتحان الأحلام.
تواصل الرؤوس الطفو.

