تزييفُ الوعي.. هل غَدونا مجرد "أصداء" في عالمٍ مبرمج؟
حين يتوقف الإنسان عن "صناعة" فكرته، فإنه يبدأ -دون أن يشعر- في "ارتداء" أفكار الآخرين. نحن نعيش اليوم في ميدان عالمي كبير للوعي، حيث يتم ضخ آلاف التصورات الجاهزة عبر الشاشات والخوارزميات، لدرجة أننا لم نعد نعرف: هل هذه قناعاتنا الشخصية فعلاً، أم أنها مجرد "برمجيات" زُرعت في عقولنا بعناية؟ إنَّ الخطر الحقيقي الذي يهدد جيل اليوم ليس "الجهل"، بل هو "وهم المعرفة" الناتج عن التلقي السلبي والمستمر.
بين سطوة "المحتوى" وغياب "المنهج"
المشكلة الجوهرية التي تواجه الأسرة اليوم ليست في كثرة ما يشاهده الأبناء، بل في "غياب الفلتر" الذي يميز الخبيث من الطيب. لقد تحول العقل من "منتجٍ للمعانى" إلى "مستوعبٍ للصور"؛ وهذا الانتقال الخطير يضعف ملكة النقد، ويجعل الفرد يتبنى منظومات قيمية غريبة عنه تحت مسمى "العصرية" أو "الترند"، بينما هي في الحقيقة "استلابٌ ناعم" يسلبه خصوصيته الثقافية والدينية.
حقائق مريرة تكشفها ظاهرة "التنميط الثقافي":
من خلال المراقبة التربوية العميقة، نجد أنَّ الانغماس الكامل في عوالم "الذكاء الرقمي" والمنصات العالمية يؤدي إلى نتائج مقلقة:
- اغترابُ اللسان: حيث تصبح المصطلحات الهجينة هي وسيلة التعبير، مما يؤدي لضعف الاتصال بالعربية، وهي جسر الفهم عن الله.
- تسطيحُ الطموح: فبدلاً من السعي نحو "الإتقان" و"العطاء الحضاري"، يتحول الطموح إلى مجرد "محاكاة" لأنماط عيشٍ زائفة يعرضها المشاهير.
- تآكلُ الاستقلال: حيث يُصبح رأي "الجمهور الافتراضي" هو الميزان، لا الحق والمنطق ومرضاة الخالق.
نحو "يقظةٍ تربوية" شاملة
في هذا الضجيج العالمي، لم يعد كافياً أن نمنع الأبناء عن القبيح، بل لا بد أن نسلحهم بـ "قوة المناعة". التربية اليوم هي فن "بناء الأسئلة" لا فن "إعطاء الأجوبة"؛ فالعقل الذي يسأل هو عقلٌ حي، قادر على كشف الزيف ومقاومة الذوبان. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لـ "الخلوة الفكرية" وللحوارات العائلية العميقة التي تُفكك ما يُعرض على الشاشات وتُعيده إلى ميزان الفطرة والشرع.
إعاد البوصلة
إنَّ الاستخلاف في الأرض يقتضي عقولاً حرة، لا عقولاً "مُؤجرة" لمن يملك المنصة أو يدير الخوارزمية. إنَّ أعظم استثمار نقدمه لأبنائنا اليوم هو أن نُعيد إليهم "بوصلتهم" التي ضاعت في زحام العالم الرقمي، ليكونوا فاعلين لا مفعولاً بهم، ومنتجين لا مجرد مستهلكين.
الحريةُ الحقيقية تبدأ من "تحرير العقل" من التبعية، والارتباطِ بالمنبع الذي لا ينضب.
المربي الدكتور عبد الكريم بكار
