التربية الواقعية: كيف نبني إنسانًا لا تمثالًا؟
قبل البدء: هذا المقال ليس مجرد قراءة عابرة، إنه دليل استرشادي لرحلة تمتد لسنوات؛ استكمل القراءة بتركيز، أو احفظه في مفضلتك لتراجعه كلما شعرت بأن البوصلة التربوية قد اضطربت.
التربية الواقعية: كيف نبني إنساناً لا تمثالاً؟
إن التربية في جوهرها ليست "صناعة قوالب"، بل هي "رعاية بذور". الإشكالية التي تقع فيها الكثير من المدارس التربوية هي إغراق الوالدين بالمثالية التي تشعرهم بالذنب عند أول خطأ. الحقيقة أن التربية الواقعية لا تعني "عدم الخطأ"، بل تعني "كيف نتعامل مع الأخطاء".
1. التربية بالحب لا "بالشروط"
القاعدة الأولى والمقدسة: يجب أن يدرك الطفل أن حبك له ليس مرتبطاً بنجاحه الدراسي، ولا بهدوئه، ولا بتنفيذه لأوامرك. الحب "غير المشروط" هو الذي يبني الأمان النفسي. عندما يفشل الطفل ويجد حضنك مفتوحاً، فإنه يتعلم الشجاعة. أما إذا وجد الصد، فإنه يتعلم "التزييف" ليرضيك، وهنا نفقد جوهر شخصيته.
2. واقعية القدوة: لستَ نبياً في منزلك
توقف عن محاولة الظهور بمظهر الشخص المثالي الذي لا يخطئ. عندما يراك ابنك تعتذر عند الخطأ، وتتحكم في غضبك بعد انفعال، وتجتهد لتطوير نفسك، فأنت تعلمه "الإنسانية". الأبناء لا يتبعون أقوالنا، بل يقتفون أثر أقدامنا. إذا أردت ابناً قارئاً فليراك تقرأ، وإذا أردته صادقاً فليلمس صدقك في أدق تفاصيل حياتك.
التربية ليست وظيفة الأم وحدها، ولا الأب مجرد "صراف آلي".
التكامل يعني: ألا يكسر أحد الوالدين هيبة الآخر أمام الأبناء، وألا يكون أحدهما "شرطياً" والآخر "ملجأً"، بل كلاهما شريكان في الحزم والمودة.
الواقعية تقتضي ألا نكون دكتاتوريين يخنقون الإرادة، ولا متساهلين يربون جيلاً هشاً.
5. مهارة "حل المشكلات" بدل "العقاب"
العقاب البدني أو اللفظي يولد الخوف، والخوف يولد الكذب. التربية المدرسة هي التي تحول الخطأ إلى "فرصة تعلم". بدلاً من "لماذا فعلت هذا؟" (التي تثير الدفاعية)، نسأل "كيف يمكننا إصلاح ما حدث؟". نحن نريد تربية ضمير داخلي يراقب الطفل، لا عيناً خارجية يخشاها.
في زمن "السيولة الرقمية"، دور الوالدين هو أن يكونا "فلتر" للقيم. لا يمكننا منع التكنولوجيا، لكن يمكننا تقليل أثرها عبر:
7. إعداد الطفل للحياة.. لا حماية الطفل من الحياة
أكبر خطأ يرتكبه الآباء هو "تعبيد الطريق" أمام الأبناء وحل مشاكلهم نيابة عنهم. الواقعية تقتضي أن تترك ابنك يتعثر، ويحزن، ويفشل أحياناً تحت إشرافك؛ لأن هذه "الخدوش" هي التي تبني صلابته النفسية. لا تُعطِ ابنك السمكة، بل علمه كيف يصبر حتى يصطادها.
التربية ليست سباقاً مع الجيران أو الأقارب، إنها "أمانة" بينك وبين خالقك. تذكر أنك تبني "إنساناً" سيعيش في عالم لم تعد موجوداً فيه، فازرع فيه من القيم ما يجعله منارةً أينما حل.
المربي الدكتور عبد الكريم بكار
