الميراث الخفي: كيف يحكم الآباء الراحلون بيوتنا الحالية؟
إن التربية ليست مجرد نصوص نقرؤها في الكتب، بل هي "ذاكرة عاطفية" تسكن أعماقنا. فنحن لا نربي أبناءنا بما "نعلم" فقط، بل بما "شعرنا به" حين كنا صغاراً. إن علاقة المرء بوالديه هي المنصة التي ينطلق منها في بناء شخصيات أبنائه؛ فإما أن تكون جسراً من الثقة، أو تكون جداراً من العقد والمخاوف.
ويظهر هذا التأثير في مسارين متقابلين:
1. مسار "الاستنساخ التلقائي": يميل الكثيرون دون وعي إلى تكرار أساليب والديهم، حتى تلك التي كانوا يكرهونها. فالأب الذي نشأ في بيئة تقدس "الصرامة الصامتة" قد يجد نفسه عاجزاً عن التعبير عن عاطفته لأبنائه، ليس نقصاً في الحب، بل لأنه لم يتعلم لغة التعبير في بيته الأول.
2. مسار "الرد الدفاعي" (المثالية المفرطة): على الطرف الآخر، قد يبالغ من عانى من القسوة في التدليل المفرط لأبنائه، كنوع من "تعويض" حرمانه الشخصي. هذا السلوك، وإن بدا حنوناً، إلا أنه يُخرج جيلاً هليماً يفتقر للانضباط، لأن الأب هنا يربي "طفله القديم" الكامن في داخله، لا ابنه الحقيقي الواقف أمامه.
أمثلة واقعية من عمق البيوت:
في الثقة: الشاب الذي نُزعت منه الثقة صغيراً بكثرة النقد، قد يجد صعوبة بالغة في منح "مساحة الخطأ" لأبنائه، فيتحول إلى أب مطارد يحاول التحكم في كل التفاصيل خوفاً من الفشل.
في الحوار: الفتاة التي كانت تُجبر على الصمت أمام والدها، قد تصبح أماً تبالغ في دفع أبنائها للكلام والاعتراض، مما قد يكسر هيبة السلطة الوالدية الضرورية للتوجيه.
إن الوعي التربوي يبدأ من "التحرر النفسي"؛ أي أن يملك المربي الشجاعة لفحص ميراثه العاطفي، فيحتفظ منه بالقيم الأصيلة، ويضع حداً للممارسات الخاطئة التي لا يريد لها أن تنتقل إلى الجيل الثالث.
إن أعظم هدية نقدمها لأبنائنا هي "نسخة معافاة" من أنفسنا، تصالحت مع ماضيها لتبني مستقبلاً لا يحمل ندوب القدامى.
المربي الدكتور عبد الكريم بكار
