بعض الشر أهون من بعض: هل هي حكمة أم استسلام؟
رضيت ببعـض الظلـم خـوف جميعه
حنانيك بعض الشر أهون من بعض
هذا البيت يمثل قاعدة واقعية قاسية في التعامل مع موازين القوى. عند تحليله من منظور علم الاجتماع (Sociology)، نجد أنه يتقاطع مع نظريات كبرى تفسر كيف يأخذ الأفراد والجماعات قراراتهم في ظل غياب العدالة المطلقة.
1. نظرية الاختيار العقلاني (Rational Choice Theory)
تفسر هذه النظرية السلوك الاجتماعي بأن الفرد يتصرف دائماً كـ "فاعل عقلاني" يسعى لتحقيق أكبر قدر من المكاسب أو تقليل أكبر قدر من الخسائر.
الشاعر لا يقبل الظلم حباً فيه، بل يقوم بعملية "حسابية" (Cost-Benefit Analysis). هو يرى أن الخسارة الناتجة عن "بعض الظلم" (الخيار أ) أقل وطأة من الدمار الذي سيخلفه "الظلم كله" (الخيار ب).
هذا ما يفعله الأفراد في النظم البيروقراطية أو تحت وطأة ضغوط اجتماعية، حيث يرضى الفرد بضياع جزء من حقوقه ليحمي ما تبقى له.
2. نظرية الصراع (Conflict Theory)
يرى "كارل ماركس" ورواد هذه النظرية أن المجتمع في حالة صراع دائم على الموارد والسلطة، وأن الطبقة الأقوى تفرض إرادتها على الأضعف.
تعبير "رضيت ببعض الظلم" يعكس حالة عدم التكافؤ في القوة. الشاعر هنا يمثل الطرف الأضعف الذي يدرك أن المواجهة الشاملة مع "الظلم الكلي" قد تؤدي إلى سحقه تماماً.
يتجلى هذا في "السياسة الواقعية" (Realpolitik)، حيث تقبل الدول أو الجماعات المعارضة بحد أدنى من المكاسب أو "ظلم مؤقت" لتجنب الفناء العسكري أو الانهيار التام.
3. نظرية التكيف الاجتماعي (Social Adaptation)
تبحث هذه النظرية في كيفية تأقلم الأفراد مع بيئات قاسية أو غير عادلة من أجل الاستمرار (Survival).
"حنانيك بعض الشر أهون من بعض" هي صرخة استعطاف ناتجة عن التكيف الاضطراري. هنا يتحول الظلم إلى "درجات"، ويصبح القبول بالدرجة الأقل نوعاً من استراتيجيات البقاء.
يظهر هذا في المجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية أو أمنية حادة، حيث يتنازل الناس عن حرياتهم أو رفاهيتهم مقابل "الأمن" أو "لقمة العيش"، معتبرين أن فقدان الرفاهية (شر بسيط) أهون من فوضى الجوع (شر عظيم).
4. نظرية العقد الاجتماعي (Social Contract Theory)
يرى مفكرون مثل توماس هوبز أن الإنسان في حالته الطبيعية يعيش في "حرب الجميع ضد الجميع". ولكي ينجو، عليه أن يتنازل عن جزء من حريته (أو يقبل ببعض القيود والظلم التنظيمي) لصالح سلطة قوية تحميه من "الظلم الأكبر" وهو الفوضى والموت.
عبارة "خوف جميعه" هي جوهر فلسفة هوبز؛ فالخوف من "الشر المطلق" (الفوضى) يجعل الفرد يرضى بـ "الشر النسبي" (سلطة الدولة القمعية أحياناً).
5. نظرية الهيمنة الثقافية (Cultural Hegemony)
للفيلسوف أنطونيو غرامشي، وتفسر كيف تجعل الطبقة المسيطرة المجتمع يقبل بظروفه الصعبة كأمر "طبيعي" أو "أخف الضررين".
تعكس كلمة "رضيت" حالة من الاستسلام النفسي الذي تفرضه القوى المهيمنة، حيث يقنع الفرد نفسه بأن هذا الظلم هو "قدر" أو "ضرورة" لتجنب ما هو أسوأ، وهو ما يسمى في علم الاجتماع بإنتاج "الوعي الزائف".
6. نظرية التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory)
تقوم هذه النظرية على فكرة أن العلاقات الاجتماعية هي سلسلة من التبادلات القائمة على الربح والخسارة.
الشاعر هنا يمارس "مقايضة اجتماعية". هو يقايض "كرامته أو جزءاً من حقه" مقابل "الأمان أو البقاء". من منظور هذه النظرية، الرضا ببعض الظلم هو "سعر" يدفعه الفرد للحصول على سلعة اجتماعية أغلى وهي (الاستقرار).
7. نظرية "العجز المتعلم" (Learned Helplessness)
رغم أنها بدأت في علم النفس، إلا أنها تُستخدم اجتماعياً لتفسير خنوع الجماعات. عندما يتعرض المجتمع لضغوط متكررة وقوية، يتعلم أن المقاومة غير مجدية.
"حنانيك بعض الشر أهون من بعض" هي لغة الشخص الذي استنفد وسائله الدفاعية، فصار يبحث عن "ألطف أنواع العذاب" بدلاً من البحث عن الحرية كاملة. هو اعتراف بالهزيمة المنظمة.
8. علم الاجتماع السياسي (الميكافيلية)
في عالم السياسة، يُعرف هذا البيت بـ "البراجماتية القاسية".
يقول ميكافيلي إن الحاكم (أو المحكوم) قد يضطر لارتكاب أو قبول فعل لا أخلاقي (شر بسيط) لمنع كارثة كبرى (شر عظيم). الشاعر هنا يطبق "الواقعية السياسية" على مشاعره الشخصية.
يعبّر البيت عن حكمة اجتماعية واقعية ترى قبول الظلم الجزئي استراتيجية بقاء في ظل اختلال موازين القوة. ينسجم مع نظريات الاختيار العقلاني، الصراع، التكيف، والعقد الاجتماعي، حيث يقدّم الأفراد تنازلات مؤلمة لتقليل الخسائر، وتجنّب الفوضى، والحفاظ على الاستقرار، ولو على حساب جزء من الحقوق والكرامة.


