التفوق الجوي
بقلم: أمين السكافي
منذ ما يقرب من قرن من الزمن، تعيش الأمة العربية والإسلامية معضلة استراتيجية عميقة يمكن اختصارها بمصطلح واحد: التفوق الجوي. فمنذ أن أصبحت السماء ساحة الحسم في الحروب الحديثة، تحول امتلاك السيطرة الجوية إلى العامل الأكثر تأثيرًا في تقرير مصير المعارك والحروب. وللأسف، كانت الكفة في معظم صراعات المنطقة تميل لصالح القوى الغربية عموماً، ولصالح الكيان الإسرائيلي خصوصاً، الذي جعل من السيطرة على الأجواء أحد أهم أعمدة تفوقه العسكري واستمراره.
لقد أدركت القوى الاستعمارية مبكراً أن السيطرة على السماء تعني القدرة على فرض الإرادة على الأرض. ففي الحروب الحديثة لم تعد الجيوش تتواجه فقط على خطوط القتال التقليدية، بل أصبحت الطائرات والصواريخ الدقيقة والأقمار الصناعية أدوات تحدد مسار الحرب قبل أن تبدأ. ومنذ نشوء الكيان الإسرائيلي، حرصت القوى الغربية على تزويده بأحدث ما توصلت إليه الصناعات العسكرية الجوية، من طائرات متقدمة وأنظمة إنذار مبكر وتقنيات حرب إلكترونية، الأمر الذي جعله يمتلك تفوقاً شبه مطلق في المجال الجوي في معظم الحروب التي خاضها مع العرب.
هذا التفوق لم يكن مجرد تفوق تقني فحسب، بل تحول إلى سلاح استراتيجي يفرض معادلاته على الأرض. فقد شهدت الحروب العربية الإسرائيلية، منذ عام 1948 مروراً بحرب 1967 وما تلاها من مواجهات، كيف استطاع التفوق الجوي الإسرائيلي أن يوجه ضربات قاصمة للجيوش العربية، وأن يشل حركتها ويمنعها من المناورة أو المبادرة. فالطائرات المقاتلة قادرة على تدمير المطارات ومراكز القيادة وخطوط الإمداد خلال ساعات قليلة، ما يجعل الجيوش على الأرض تقاتل في ظروف غير متكافئة.
غير أن التاريخ العسكري الحديث يسجل لحظة استثنائية كسرت، ولو جزئياً، هذه القاعدة الصلبة. ففي حرب أكتوبر عام 1973 استطاعت مصر أن تقدم نموذجاً مختلفاً في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي. فقد أدرك المخطط العسكري المصري أن المواجهة المباشرة مع سلاح الجو الإسرائيلي ستكون مكلفة إلى حد كبير، لذلك اتجه إلى خيار استراتيجي آخر، تمثل في إقامة ما عُرف بـ حائط الصواريخ المضاد للطائرات على الضفة الغربية لقناة السويس. هذا الحائط، الذي ضم منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، شكل مظلة حماية للقوات المصرية أثناء عبورها القناة وتقدمها في سيناء.
لقد كان تأثير هذا النظام الدفاعي عميقاً؛ إذ تكبد سلاح الجو الإسرائيلي خسائر غير متوقعة، واضطر إلى تغيير أساليبه في القتال. وللمرة الأولى منذ عقود شعر الإسرائيليون أن سماء المعركة لم تعد مفتوحة بالكامل لطائراتهم. ومن هنا يمكن القول إن أحد أهم عوامل نجاح العبور المصري في الأيام الأولى للحرب كان القدرة على تحييد التفوق الجوي الإسرائيلي جزئياً، وهو ما أثبت أن السيطرة الجوية ليست قدراً أبدياً بل معادلة يمكن كسرها إذا توفرت الإرادة والتخطيط والتكنولوجيا المناسبة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: متى وكيف تستطيع الأمة العربية والإسلامية أن تشطب التفوق الجوي المعادي من معادلة الصراع؟ إن الإجابة لا تكمن فقط في امتلاك الطائرات المتطورة، بل في بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعات العسكرية المحلية، وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، وتقنيات الحرب الإلكترونية، والقدرات الصاروخية الدقيقة، إضافة إلى تطوير منظومات الرصد والاستطلاع.
فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بطائرة أو صاروخ واحد، بل بشبكة متكاملة من القدرات العسكرية والتكنولوجية. وعندما تصل الأمة إلى مرحلة تستطيع فيها تحييد السيطرة الجوية للخصم أو موازنتها، فإن ميزان القوة سيتغير جذرياً. عندها فقط ستتحول السماء من ساحة احتكار للعدو إلى فضاء متكافئ، وستجد الجيوش العربية والإسلامية نفسها تقاتل في ظروف أكثر عدلاً، حيث يصبح النصر مسألة إرادة وكفاءة، لا نتيجة تفوق تقني مفروض من الخارج.
إن شطب التفوق الجوي من المعادلة ليس حلماً مستحيلاً، بل مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد. وحين يتحقق ذلك، ستبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الصراع في المنطقة، مرحلة تتغير فيها الموازين، وتصبح فيها السماء كما الأرض ساحة مفتوحة لإرادة الشعوب لا لهيمنة القوة وحدها.

