أشخاص تتمسك بهم المؤسسات
أحيانًا أتساءل: نرى أشخاصًا يعملون في المؤسسة نفسها لسنوات طويلة، مع أنهم ليسوا بالضرورة الأفضل في مجالهم، وربما يوجد من هو أصغر سنًا وأكثر سرعة وكفاءة تقنية… فلماذا تتمسّك المؤسسات بهم؟
الجواب - في الغالب - لا يرتبط بالخبرة وحدها، بل بما هو أعمق من ذلك.
عندما يتقدّم شاب أو فتاة للعمل في مؤسسة ما، يظنّ كثيرون أن الشهادات الأكاديمية وسنوات الخبرة هي العامل الحاسم في القبول. وهذا صحيح جزئيًا… لكنه ليس الصورة الكاملة.
المؤسسات المرموقة لا تكتفي بتقييم ما يحمله المتقدّم من مؤهلات وشهادات، بل تنظر إلى منظومة أوسع، تتداخل فيها ثلاثة عناصر رئيسية: القيم، والشخصية المهنية، ثم التعليم والخبرة.
أولًا: القيم
القيم هي المبادئ الأخلاقية العميقة التي تحكم اختيارات الإنسان، وتضبط سلوكه من الداخل قبل أي رقابة خارجية. هي ما يدفعه إلى فعل الصواب حتى عندما يكون الخطأ أسهل أو أقل كلفة.
المؤسسات تستطيع تدريب الناس على المهارات، لكنها لا تستطيع غرس القيم إن كانت غائبة.
ثانيًا: الشخصية المهنية
والمقصود بها طريقة التفكير والتعامل داخل بيئة العمل، وما يمتلكه الشخص من سلوكيات مهنية ومهارات إنسانية تؤثر مباشرة في أدائه وعلاقاته.
- هل يمتلك عقلية متعلّمة تسعى للفهم والتحسّن، أو عقلية دفاعية ترفض الملاحظات؟
- هل يتعامل مع الخطأ باعتباره فرصة للتطوير، أو يعتبره تهديدًا لصورته؟
- هل يبادر ويقترح الحلول، أو يكتفي بانتظار التعليمات؟
- هل يستطيع العمل ضمن فريق، وضبط انفعالاته، والتواصل باحترام حتى تحت الضغط؟
الشخصية المهنية هي التي تحدد كيف يعمل الإنسان مع غيره، لا ماذا يعرف فقط.
ثالثًا: التعليم والخبرة
وهما عنصران أساسيان لا غنى عنهما. فالتعليم يعبّر عن مسار معرفي ومنهجي، والخبرة تعبّر عن احتكاك بالواقع وتراكم تجربة عملية.
غالبًا ما يكون التعليم والخبرة هما ما يفتح باب المقابلة الأولى، لكن القيم والشخصية المهنية هما العامل الأساسي في قبول الشخص، وبناء الثقة به، والاستمرار معه داخل المؤسسة.
فالتعليم والخبرة قد يسهّلان البداية ويؤثران في الأداء الأولي، بينما القيم والعقلية المهنية هما ما يصنع النجاح الحقيقي على المدى الطويل.
لذلك، إن كنت في بداية طريقك المهني أو في مرحلة بناء ذاتك:
فهما عونٌ كبير لك في عملك… وحياتك.
كثير من المؤسسات لا تختار الناس لما يحملونه من أوراق، بل لما يحملونه في داخلهم.
المربي الدكتور عبد الكريم بكار

