نبض خلف القضبان
كان "الرئيس" في زنزانته الباردة ببلاد فارس، يخطُّ بقطعة فحمٍ صغيرة رؤاه حول مسارات الشرايين وخصائص النباتات. لم تكن الجدران الصماء لتسجن فكراً بصرامة "ابن سينا"؛ ذاك الذي وهب ربيعه لفك طلاسم الوجود وترميم أجساد أنهكها السقام.
كان يسعى في دروب المعرفة سعيَ الظمآن، يقتفي أثر الحقيقة أينما حلت. وحين كان أقرانه ينغمسون في لذاتٍ فانية وتجارةٍ رابحة، كان هو يشيدُ قصوراً من البرهان وصروحاً من المنطق. لكن تلك الرفعة لم تمرّ دون ثمن؛ فقد تربص به ذوو العقول الضيقة، أولئك الذين يضمرون الكراهية لكل نبوغٍ يتجاوز مداركهم المحدودة.
اتهموه بالزندقة تارة وبالخروج عن المألوف تارة أخرى، وحاولوا إخماد شعلته بكل وسيلة. لم يدرك أولئك الخصوم أن من صاغ "القانون" لن يطويه غبار السنين. وحينما حان أجله، رحل بجسده مخلفاً وراءه أمةً من القراء وتراثاً لا يشيخ.
لقد غاب خصومه في سراديب النسيان، ولم يبقَ من سيرتهم أثر، بينما ظل ذكره يتردد في قاعات الجامعات ومراكز الاستشفاء. لقد برهن للعالم أن المرء يُقاس بما يتقنه من فنون، وبما يتركه من أثرٍ باقٍ يتحدى الفناء، ليظل حاضراً في وجدان البشرية رغم غياب الرّوح عن البدن.
مـا الفضـل إلا لأهـل العلـم إنهـم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امـرىء ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهـل العلـم أعـداء
ففـز بعلـم تعـش حـيًا بـــه أبـــدًا ... الناس موتى وأهل العلم أحـياء
(أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه)


