النهضة.. هل هي "بضاعة" نشتريها أو "إرادة" نبنيها؟
يعتقد الكثيرون أنَّ الوصول إلى التقدم يبدأ من "شراء" أحدث التقنيات واقتناء أرقى الآلات، ولكنَّ نظرةً فاحصة على تاريخ الأمم الناهضة تُخبرنا بحقيقةٍ مختلفة تماماً: النهضة لا تُباع ولا تُستورد، بل تُصنع من الداخل.
السرُّ في "اليابان" و"ماليزيا"
حين قررت اليابان أن تنهض، لم تكتفِ بجلب المصانع من الغرب، بل وضعت قاعدة ذهبية: (العلم للغرب، والروح لليابان). لقد أدركوا أنَّ الآلة بلا "قِيَم" هي جَسد بلا روح. فحافظوا على انضباطهم وأخلاقهم القديمة، وجعلوها هي المحرك لهذه التكنولوجيا الجديدة.
وكذلك فعلت ماليزيا؛ فناطحات السحاب هناك لم تُبنَ بالأسمنت والحديد فقط، بل بُنيت بـ "إرادة" إنسانٍ تعلم أنَّ أمانةَ الصدق في العمل هي التي تجعل المصنع ينجح، وأنَّ احترامَ الوقت هو الذي يرفع قيمة الدولة.
دروسٌ من قلبِ النهضة
لكي نفهم لماذا تنجح هذه الدول بينما يكتفي غيرها بالاستهلاك، علينا أن ننظر إلى ثلاث نقاط:
الفرق بين "الأداة" و"المنطق": استيراد الأدوات (مثل الهواتف والسيارات) هو مجرد "تسوّق". أما النهضة فهي أن نفهم "كيف" صُنعت هذه الأشياء؟ النهضة تبدأ بسؤال العقل، لا بفتح المحفظة.
القيم هي "الوقود" الحقيقي: أكبر مصنع في العالم لا قيمة له إذا كان العاملُ فيه لا يتقن عمله، أو المدير فيه يظلم فريقه. اليابان لم تنجح بـ "الروبوت"، بل نجحت بـ "الدقة" و"الأمانة" التي جعلت الروبوت يعمل بلا خطأ.
النهضة ليست "تقليداً": النهضة لا تعني أن نصبح "نسخة" من الغرب في عاداته وتقاليده. الدرس الأهم من ماليزيا واليابان هو أنك تستطيع أن تملك أحدث تكنولوجيا في العالم، وأنت ما زلت تعتز بصلاتك، وهويتك، وقيمك.
خلاصة القول
إنَّ تكديس الأجهزة الحديثة في بيوتنا وشوارعنا لا يعني أننا نهضنا، بل يعني أننا مجرد "زبائن" جيدين لغيرنا. النهضة الحقيقية تبدأ حين نملك "الإرادة" لتغيير أنفسنا، وحين نجعل قيمنا (من صدق، وانضباط، وإتقان) هي المحرك لكل أداة نستخدمها.
النهضة هي رحلة من "الداخل" إلى "الخارج".. تبدأ بعقلٍ منضبط، وتنتهي بصناعةٍ تبهر العالم.
بقلم المربي الدكتور عبد الكريم بكار


