التعلم المستمر أم الشهادة؟
التعلم المستمر ليس نوعاً من الترف المعرفي، وليس خاصاً بفئة من فئات المجتمع، بل هو استجابة طبيعية لعالم تتدفق فيه المعارف بلا توقف، وتتغير فيه الوقائع بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.
المعرفة اليوم أشبه بنهر جارٍ، يحمل في كل لحظة معه شيئاً جديداً يتصل بجانب من جوانب حياتنا، فمن أراد أن يعيش الحياة كما ينبغي أن تعاش فإن عليه أن يظل على صلة بذلك التدفق.
من هنا يظهر الفرق الجوهري بين التعلم مدة الحياة (في الماضي لم تكن هناك شهادات، ولم يكن طلب العلم لمدة محددة شيئاً معروفاً، أو وارداً، وإنما كان العلم من المهد إلى اللحد، كما هو القول المشهور) والحصول على شهادة. التعلم المستمر يهدف إلى استيعاب المعارف الجديدة، وتوظيفها في فهم الواقع المتغير، والتفاعل معه على نحو مثمر، ومبدع على حين أن الشهادة توثق تحصيلاً معرفياً تمّ في مرحلة زمنية محددة، وبناءً على ما كان متاحاً من علوم وأدوات في تلك المرحلة. الشهادة تقول: هذا ما تعلمه حاملها في وقت من الأوقات، لكنها لا تقول: هذا ما يستطيع فهمه الآن.
المشكلة لا تكمن - طبعاً - في الشهادة ذاتها، فهي خطوة طبيعية في مسار التعلم، وقد تكون ضرورة مهنية أو تنظيمية، إنما تكمن المشكلة في تحول الشهادة إلى نهاية نفسية، وفكرية، فيتوقف صاحبها عن متابعة المعارف الجديدة، ويكتفي بما حصّله سابقاً، كأن العالم قد توقف عند لحظة تخرجه. في واقع سريع التحول يكون توقف الخريج الجامعي عن التعلم نوعاً من الانفصال عن الحياة، لا عن الدراسة فحسب.
إن المتابع لأحوال كثير من شبابنا يجد أنهم قد حرموا أنفسهم من متابعة التثقف، والاطلاع على الجديد، والحجة لديهم هي الانغماس في العمل، وتحمل مسؤولية الأسرة، يفعلون ذلك وهم يرون رأي العين التقادم السريع لكل ما تعلموه.
طالب العلم الحقيقي لا يتعلم من أجل الورقة، وإنما يتعلم من أجل الفهم. إن لديه شغفاً أصيلاً، وعميقاً بالمعرفة، والشغف بطبيعته لا يعرف التوقف عند مرحلة دراسية، ولا يخضع لتقييم أكاديمي معين.
الشغف هو ما يدفع الإنسان إلى السؤال، وإلى القراءة خارج المقررات الدراسية، وإلى متابعة الجديد، وإلى مراجعة أفكاره القديمة دون خوف. فإذا توقف هذا الشغف عند الحصول على الشهادة، فذلك مؤشر على أن العلاقة بالعلم كانت علاقة عابرة ذات طابع مصلحي بحت.
الشغف بالعلم هو الوقود الداخلي الذي يمنح الشاب طاقة الاستمرار في التعلم لا بدافع الواجب، بل بدافع المتعة، وتعشق الجديد. من دون شغف يتحول العلم إلى معلومات جامدة، ومنهجيات مكررة، وحفظ بلا روح، ولهذا كان الشغف شرطاً أساسياً للإبداع، لأن الإبداع يحتاج إلى أن يذهل الإنسان عن راحته، وعن نفسه خلال الاندماج في القضية، أو الموضوع الذي نذر نفسه له.
التغيرات الهائلة في الواقع المعيش تتطلب من الشباب تجديداً مستمراً في استعداداتهم وأدواتهم المعرفية، وإن التعلم مدى الحياة هو الذي يتكفل بذلك.
المربي د. عبد الكريم بكار (من كتابي: التعلم مدى الحياة)




