حين تصبح المعصية عادية… ماذا يحدث للدين في القلب؟
يظن كثير من الناس أن الابتعاد عن الدين يحدث بسبب قرارات كبيرة ومفاجئة.
لكن الواقع مختلف... فمعظم التحولات الكبرى تبدأ بتنازلات صغيرة.
شاب كان يستنكر أمرًا محرمًا بوضوح، ثم اعتاده لكثرة ما رآه. وآخر كان يشعر بتأنيب الضمير إذا قصّر في عبادة، ثم أصبح التقصير عنده أمرًا عاديًا. وثالث كان يرفض فكرة معينة لأنها تخالف الشرع، ثم بدأ يبحث لها عن المبررات حتى استقرت في نفسه.
في البداية لا يتغير شيء كبير.
لكن الذي يتغير هو "الحدود الداخلية".
فالإنسان لا يسقط عادةً عند أول خطوة، وإنما عند الخطوة التي اعتاد ما قبلها.
ولهذا كان من أخطر ما يواجه الشباب اليوم ليس الشبهات الكبرى، بل التهاون المتدرج.
التهاون الذي يبدأ بعبارة: "الأمر بسيط."
ثم يتحول إلى: "الجميع يفعل ذلك."
ثم ينتهي إلى: "وما المشكلة في ذلك أصلًا؟"
وهنا تكمن القضية.
فالدين لا يُنتزع من النفوس دفعة واحدة، وإنما يُضعف أثره حين تتكرر التنازلات حتى تصبح جزءًا من الحياة اليومية.
ولو تأملنا في حياة الناس لوجدنا أن كثيرًا من القرارات المصيرية لم تبدأ بقناعة، بل بدأت بألفة. فالشيء الذي يتكرر أمام العين يفقد غرابته، والشيء الذي يُمارس باستمرار يفقد ثقله في القلب.
ولهذا كان من أعظم نعم الله على العبد أن يبقى حيّ الضمير، سريع المراجعة لنفسه، لا يسمح للخطأ أن يتحول إلى عادة، ولا للمعصية أن تتحول إلى أمر مألوف.
إن الالتزام بالشريعة ليس تشددًا كما يصوره بعض الناس، بل هو حفاظ على البوصلة.
فالسفينة لا تغرق بسبب انحراف كبير مفاجئ، وإنما قد يضيع طريقها بسبب انحرافات صغيرة تراكمت مع الزمن.
والشاب المؤمن لا يحتاج إلى أن يكون معصومًا من الخطأ، فهذا ليس من طبيعة البشر.
لكنه يحتاج إلى أمر أهم:
أن يبقى متمسكًا بالمرجع الذي يعود إليه كلما أخطأ، وأن يظل مقتنعًا أن أحكام الله ليست عبئًا على الحياة، بل سياجًا يحفظ القلب والعقل والروح من الضياع.
فأخطر ما يمكن أن يفقده الإنسان ليس بعض الطاعات...
بل أن يفقد حساسيته تجاه الحق والباطل، فلا يعود يرى الفرق بينهما كما كان يراه من قبل.
المربي د. عبد الكريم بكار



