رسالة لكم أيها الشباب.. هل تدركون حقيقة الوزن الفكري والوجودي لخطوتكم اليوم؟
حقيقة لا تقبل الجدل:
إذا كان لكل مجتمع عمود فقري يستند إليه ليبقى واقفاً، فأنتم ذلك العمود. أنتم لستم مجرد "رقم" في التعداد، ولا "مرحلة عمرية" يعبرها الإنسان وينتهي أثرها؛ بل أنتم صمام الأمان الفكري، والمحضن الحقيقي للطاقة التي تصنع التحولات الكبرى في أمتنا.
وفي عالم يموج بالسيولة الرقمية، والمقارنات البصرية الجافة التي تحاول تصفير قيمتكم وحصر نجاحكم في حجم الاستهلاك، تشتد الحاجة إلى وقفة صادقة لتستعيدوا فيها صلابتكم النفسية ووعيكم بدوركم المحوري عبر 4 ركائز ملهمة:
1. الانطلاق من بناء الجدارة إلى سد الثغور:
إن الجيل الواعي لا ينتظر الظروف الكاملة والمثالية ليتحرك، بل يصنع فجره بيقين السعي والمبادرة بمسؤولية. الجدارة الحقيقية لا تنال بالشهادات الأكاديمية الجافة وحدهـا، بل بالتراكم الهادئ، والالتزام بـ "بستان البكور" وأول النهار لإتقان تخصص دقيق يسد ثغراً حقيقياً في مجتمعكم ويخفف من أوجاع الناس؛ فهذا الشغف هو الذي يمنحكم مكاناً في ميادين الصدارة.
2. التحرر من متلازمة الاستحقاق الزائف:
أكبر مهدد للشاب المعاصر هو الاستسلام لوهم "النجاحات الخاطفة والمفبركة" التي تعرضها الشاشات، والتي تورث النفس عجزاً وكسلاً. إن شجاعتكم الفكرية تظهر في الترحيب بالبدايات الواعدة والخطوات الأولى - ولو بدت بسيطة أو متواضعة - فالاحتكاك المباشر بالواقع والقبول بالتدريب المستمر هو الجسر الذي يصقل المهارة ويبني الصلابة النفسية في الشارع والميدان.
3. امتلاك موقع ضبط داخلي صارم:
أجمل ما تملكونه اليوم هو "ثروة الوقت"، وهي ثمرة كبرى تستحق الحماية من التمرير الصامت والتبلد خلف التدفق الرقمي الهائل. متى ما ملك الشاب رقابة ذاتية وموقع ضبط داخلي يدير به أولوياته ويعزل به مشتتات الدنيا، استعاد قدرته على التفكير التحليلي وبناء الأصول المعرفية، واستند إلى ركن فكري شديد لا تزلزله طواحين الماديات.
4. الارتباط بغايات الوجود الكبرى:
تكتسب مهاراتكم وعطاؤكم عمقاً إنسانياً فريداً حين يخرجان من دائرة الأنانية الضيقة إلى فضاء الأثر المتعدي والنفع العام؛ بأن يكون سعيك عابراً لذاتك، خادماً لأمتك، ومستنداً إلى تقوى الله في السراء والضراء، انطلاقاً من الآية الكبرى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. هذا الاتصال بالقيم هو الذي يمنح النفس سكينة وطمأنينة ويجعلها تستقبل التحديات بيقين الرضا.
خلاصة الخلاصة:
إن عمارة الأرض وصناعة الغد لا تتحققان بالانتظار السلبي، بل بخطوة اليوم المخلصة المنظمة. أنتم القوة الكامنة التي ينتظرها مجتمعنا ليرمم شتاته العاطفي والفكري؛ فاعتصموا بحبل الله، واجمعوا قلوبكم على غايات كبرى، واعلموا أن السعي المخلص لا يضيع أبداً عند الله.
المستقبل يبدأ من حيث تقفون الآن.. فماذا أنتم فاعلون؟
المربي د. عبد الكريم بكار


