مرحلة الشباب
مرحلة الشباب - والتي تمتد غالباً بين الثامنة عشرة ومنتصف الثلاثين - هي "المخزن الاستراتيجي" للطاقة في أي أمة. إن الشاب يمتلك مزايا قد لا تتوفر لغيره؛ فهو يتمتع بـ فائض في الحيوية، وطموحٍ جامح يستشرف المخاطر، وقدرةٍ فذة على التعلم السريع والتكيف مع المتغيرات، فضلاً عن امتلاكه لـ ترف الوقت الذي يمنحه فرصة البدء بمشروعات كبرى تحتاج إلى نَفَس طويل.
هذه المرونة وهذا التفكير "خارج الصندوق" هما وقود الإبداع ومنبع التجديد.
ومع هذه العظمة، يظل الشاب بحاجةٍ ماسة إلى "خارطة طريق" لا يمتلكها إلا من صهرته الأيام؛ فثمة أمور لا تنضج إلا على نار التجربة الهادئة، وهنا يأتي دور حكمة الكبار.
إن الشاب في ذروة اندفاعه قد يحتاج إلى "بوصلة الخبير" في مفاصل حياتية كبرى، منها:
- البناء الاجتماعي: في اختيار الرفقة الصالحة، وتأسيس الأسرة، وفقه التعامل الراقي مع الناس.
- القرارات المصيرية: كاختيار التخصص، أو تحديد بلد الإقامة، أو الدخول في شراكات مهنية معقدة.
- إدارة الذات: في الموازنة الدقيقة بين طموح العمل وحق الأسرة، وفي التخطيط المالي الذي يحمي من عثرات المستقبل.
إن الرغبة في "الإنجاز السريع" والاعتزاز المبالغ فيه بالمعلومات الحديثة كثيراً ما يحجب عن الشباب أهمية الاستشارة، وأنا شخصياً تضررتُ في بداياتي من ضعف الوعي بهذه الحقيقة. لكن الرشد يقتضي منا ألا نستشير كل "كبير" لمجرد سِنّه، بل نبحث عن الناجح الحكيم الذي يمتلك خبرة حقيقية في المجال الذي نحتاج إليه.
النجاحُ الحقيقي ليس في انفراد الشباب بقوتهم، ولا في انغلاق الكبار بخبرتهم، بل في ذلك (التحالف الحضاري) الذي يجمع بين قوة اليد وحكمة العقل؛ لتمضي السفينة نحو غايتها بأمان.
وفقكم الله، وفتح عليكم، وزادكم من فضله.
المربي د. عبد الكريم بكار

