فلسفة العطاء: كيف يسعد الشباب بالعمل التطوعي؟
حين نقوم بعمل ليس مطلوبًا منا على سبيل الوجوب، فإننا نشعر بمشاعر غريبة، نشعر بالرفاهية الروحية، والأناقة النفسية، ونشعر أننا قمنا بشيء يرضي الله تعالى؛ لأن الله تعالى طلب من عباده أن يساعد بعضهم بعضًا، وطلب منهم أن يعمروا الأرض. نحن أيضًا نشعر أننا جزء من الحل لأقربائنا، وأهل بلدنا، وعموم الناس. أنا حين أتحدث مع الشباب عن التطوع، وعمل الخير، وبذل المال، والجهد، والوقت لا أريد منهم أن يعطلوا مصالحهم، ولا أن يضغطوا على أنفسهم، بل أدعوهم إلى اكتشاف أنفسهم، والارتقاء بها، وإسعادها، وقد أشارت دراسة لجامعة هارفارد عام 2020 إلى أن الشباب الذين يشاركون بانتظام في أعمال تطوعية يسجلون مستويات أعلى بنسبة 25% في الرضا عن الحياة، وأعلى بنسبة 40% في الشعور بالمعنى، والجدوى.
الإحسان ينعكس على نحو مباشر على شخصية الشاب، فهو ينمي لديه التعاطف، ويزيد في مستوى النضج، ويقوي الثقة بالنفس، لأن الإنسان حين يرى أثر عمله في الآخرين يكتشف قيمته الحقيقية. توصلت دراسة في جامعة أكسفورد عام 2019 إلى أن (العطاء) يحفز مناطق المكافأة في الدماغ أكثر مما يفعله تلقي الهدايا؛ مما يجعل للعطاء تجربة شعورية مبهجة في حد ذاتها.
أنا أعتقد أن الفرح لدى الأطفال كثيرًا ما يتجسَّد في الأشياء التي يحصلون عليها، أما الكبار - بما تعنيه الكلمة - فإن فرحهم يكون حين يشعرون أنهم قد أدخلوا الفرح على غيرهم.
إن الإحسان لا ينفع الفرد وحده، وإنما يسهم في صلاح المجتمع أيضًا حيث تنتشر فيه معاني التكافل، وترتفع فيه مستويات السعادة العامة، وقد أظهرت دراسة نشرت عام 2021 أن المجتمعات التي ينتشر فيها العمل التطوعي ترتفع فيها مؤشرات الرفاه الاجتماعي بنسبة 30% مقارنة بغيرها.
كل هذا لا يعدل إلا شيئًا يسيرًا مما وعد الله به عباده المحسنين من الثواب، وحسن الجزاء حيث قال سبحانه: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} وقال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} وقال صلى الله عليه وسلم: «من فرّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، لكن لا بد من القول: إن المطلوب من الناضجين، وأهل التجربة والخبرة أن يعينوا الشباب على عمل الخير من خلال بناء المؤسسات الخيرية، وعلى الشباب المبادر تأسيس الفرق التطوعية، فمعظم الشباب لا يندفعون إلى أعمال الخير إذا لم يجدوا أمامهم الأطر الخيرية المنظَّمة.
المربي د. عبد الكريم بكار


