ماذا يحدث لعقل الإنسان خلال عشر دقائق فقط من تصفح وسائل التواصل؟
خلال عشر دقائق فقط، قد ينتقل الإنسان بين مقطع ديني، وخبر سياسي، ومشهد مؤثر، وإعلان تجاري، وقصة حزينة، ومقطع مضحك، ورسالة عمل، وصورة نجاح، وتعليق غاضب، ومعلومة علمية، ثم فيديو لا يعرف أصلًا لماذا شاهده.
كل هذا… في دقائق قليلة.
السؤال هنا ليس: هل المحتوى جيد أو سيئ؟
بل: هل خُلق عقل الإنسان أصلًا ليستقبل هذا الكم الهائل من التناقضات والانفعالات المتلاحقة بهذه السرعة؟
المشكلة أن العقل لا يعيش أي فكرة بعمق.
لا يحزن كفاية… ولا يتأمل كفاية… ولا يفرح كفاية… لأنه يُسحب باستمرار من شعور إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، دون توقف.
في دقائق قصيرة، قد يمر الإنسان بحالة تعاطف، ثم غضب، ثم مقارنة، ثم خوف، ثم ضحك، ثم قلق… وكأن المشاعر أصبحت تُستهلك بسرعة هائلة دون أن تجد وقتًا للاستقرار.
ومع التكرار اليومي، يبدأ أثر ذلك في الظهور بهدوء:
ضعف التركيز، وتشتت الانتباه، وصعوبة القراءة العميقة، والملل السريع، والشعور بإرهاق ذهني حتى دون مجهود حقيقي.
الأمر لا يتوقف عند التصفح فقط، بل يمتد إلى نمط الحياة كله.
إشعارات لا تنتهي، مجموعات كثيرة، أخبار متلاحقة، ورسائل تقطع التفكير عشرات المرات في اليوم.
وهنا تظهر مفارقة مهمة:
كثير من الأشخاص الأكثر هدوءًا وإنتاجًا وتأثيرًا في حياتهم ليسوا بالضرورة الأذكى، لكنهم نجحوا في حماية عقولهم من الضجيج المستمر.
لديهم وقت هادئ، ومسافة من الإشعارات، وقدرة على الانفصال المؤقت عن التدفق المتواصل للمحتوى.
لقد فهموا أن التركيز ليس مهارة إضافية… بل أسلوب حياة.
والأمر الأهم أن هذا الواقع لا يؤثر في الكبار فقط، بل في جيل كامل ينشأ على الانتقال السريع بين مئات المثيرات يوميًا.
جيل يعتاد السرعة أكثر من التأمل، والتشتت أكثر من العمق.
ولهذا، فإن حماية العقل اليوم ضرورة للحفاظ على التفكير الهادئ، والاتزان النفسي، والقدرة على بناء حياة ذات معنى.
فالعقل الذي لا يجد لحظات من السكون… يفقد تدريجيًا قدرته على رؤية ما يستحق التركيز فعلًا.
المربي د. عبد الكريم بكار




