النائب البزري يرعى حفل تخريج الدفعة الحادية والثمانين من طلاب ثانوية المقاصد للعام 2026
أقامت جمعية المقاصد الإسلامية الخيرية في صيدا حفل تخريج الدفعة الحادية والثمانين من طلاب ثانوية المقاصد للعام 2026، برعاية النائب الدكتور عبد الرحمن البزري، وبحضور النائبين الدكتور أسامة سعد وعلي عسيران، ومعالي السيدة بهية الحريري، ومفتي صيدا الشيخ سليم سوسان، ومفتي صور الشيخ مدرار الحبال، إلى جانب حشد من الشخصيات الرسمية والتربوية، ومديري المدارس في صيدا، وأهالي الخريجين. وفيما يلي كلمة النائب الدكتور عبد الرحمن البزري:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنه لشرفٌ كبيرٌ لي أن أقفَ اليومَ أمامَكم راعيًا ومتحدثًا في حفلِ تخريجِ دفعةِ عام 2026 في ثانويةِ المقاصد، هذا الصرحِ التربويِّ العريقِ الذي يحتلُّ مكانةً راسخةً في وجدانِ مدينةِ صيدا وتاريخِها. فالمقاصدُ ليست مجردَ مدرسةٍ، بل هي مؤسسةٌ شكّلت على مدى أكثرَ من قرنٍ ونصفٍ جزءًا وازنًا من هُويّةِ المدينة، وأسهمت في إعدادِ أجيالٍ حملت رسالةَ العلم، وأسهمت في نهضةِ صيدا وخدمةِ الوطن والأمّة. لقد ارتبطَ اسمُ المقاصدِ بذاكرةِ المدينةِ ووجدانِها، بأحيائِها وبحرِها وبساتينِها وزهرِها، بتراثِها الحضاريِّ والإنسانيّ، حتى غَدَت ركنًا أساسيًّا من نسيجِها الأهليِّ والاجتماعيّ.
أيها الخريجاتُ والخريجونَ الأعزاء، هذه لحظتُكم التي استحققتُموها بالعملِ والاجتهاد، فاعتَزُّوا بها، وقدّروا كلِّ مَن كانَ شريكًا في هذا الإنجاز: أهلِكم الذينَ منحوا الحبَّ والدعم والعطاء، ومعلِّميكم وإداريِّيكم والعاملينَ في هذه المؤسّسةِ الذين أسهموا، كلٌّ من موقعِه، في تهيئةِ البيئةِ التي مكَّنَتْكم من الوصولِ إلى هذا اليوم. فالنجاحُ الحقيقيُّ لا يُولَدُ من جهدٍ فرديٍّ فحسبُ، بل هو ثمرةُ إرادةٍ مشترَكة، وعطاءٍ متبادَل، وتكاملٍ بين الأسرةِ والمدرسةِ والطالب.
إنَّ رسالةَ المقاصدِ لم تكن يومًا محصورةً في تخريج طلابٍ متفوقينَ في الامتحاناتِ فحسبُ، وإنّما في إعداد إنسانٍ متكاملٍ يجمعُ بين العلمِ والقِيَم، وبين المعرفةِ والمسؤولية. إنسانًا يَصدُقُ في قولِه، ويَثبُتُ في موقفِه، ويحترمُ الاختلاف، ويتعاونُ مع الآخرين، ويُعين المحتاجين. إنسانًا يمتلكُ ضميرًا حيًّا يميِّزُ بين الحقِّ والباطل، وإرادةً راسخةً لا تَضعُفُ أمامَ الإغراءاتِ ولا تنحني أمامَ الضغوطات.
أيها الشابات والشبابُ، يا خريجي المقاصد لن أقفَ أمامَكمُ اليومَ لأرسمَ صورةً مثاليةً لواقعِنا، ولا لأُخفيَ عنكم حجمَ التحدياتِ التي نواجهها. فأنتم جيلٌ يستحقُّ أن يُخاطَبَ بالصدقِ والوضوح، لأنّكم عايشتُم من التحوّلاتِ والأزماتِ ما لم تُعايِشْهُ أجيالٌ من قبلِكم.
يمرُّ لبنانُ منذُ العام 2019، بواحدةٍ من أشدِّ الأزماتِ الاقتصاديةِ والماليةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ في تاريخِهِ الحديث. أزمةٌ امتدت آثارُها إلى مختلفِ نواحي الحياة، فشهدْنا وباءً عالميًا، وحروبًا ضارية، وانهيارًا ماليًّا، وتراجعًا حادًّا في القدرةِ الشرائية، وتفشيًا للفساد، وضعفًا في أداءِ مؤسساتِ دولتنا.
لقد نشأَ جيلُكم في قلبِ هذه الظروفِ الصعبة، ورأى كثيرٌ منكم آباءَهُ وأمهاتِهِ يكافحونَ للحفاظِ على مصادرِ رزقِهم، ويتحمّلونَ أعباءً لم تكن مألوفةً من قبلُ. فتحيةً من القلب لهم، لمثابرتهم وإصرارهم على تعليمكم.
إنَّ التحديَ الأكبرَ الذي ينتظركم ليس الأزمةَ في حدِّ ذاتِها، وإنّما عدم السماح لها بأن تختزلَ هُويَّتَكم أو تحدِّدَ مستقبلَكم. فلا تكونوا جيلَ الأزمة، بل كونوا الجيلَ الذي واجهَها بعزيمةٍ وانتصرَ عليها بالإرادة، وأسهمَ في تحويلِها إلى نقطةِ انطلاقٍ نحو مستقبلٍ أفضل. فكونوا الجيلَ الذي خرج عن النص وكتب قصته بيده.
أيها الجيلُ الصاعد، الحربُ الأخيرةُ والاعتداءاتُ الإسرائيليةُ المتكرِّرةُ تركت جروحًا عميقةً في مجتمعِنا، وإن صيدا قامت بواجبِها الوطنيِّ كعادتِها بفضلِ تضامُنِ أبنائِها ومؤسساتِها، فنحنُ عاصمةُ الجنوبِ الصامدِ والمقاوِم، وعاصمةُ الشتاتِ الفلسطينيّ. وجيلُكم شاركَ في هذا النجاحِ الصيداويِّ رغمَ مسؤولياتِهِ العلمية. لذا أتوجّهُ إليكم بالتحيةِ مؤكدًا أنّكم تملكونَ سلاحًا أقوى من كلِّ أسلحةِ العدوّ: سلاحَ العلمِ والوعيِ والإيمانِ والمسؤوليةِ الوطنية.
يا خريجاتِ المقاصدِ وخريجيها صحيحٌ أنَّ الظروفَ الصعبةَ دفعتِ العديدَ من شبابِنا للمغادرةِ بحثًا عن فرصةِ عملٍ أو مصدرِ رزقٍ. لن أقفَ اليومَ هنا لأقولَ لكم لا تهاجِروا، لأنَّ لكلِّ إنسانٍ الحقَّ في البحثِ عن حياةٍ كريمةٍ ومستقبلٍ أفضل، لكن من واجبي أن أذكِّرَكم بقولِ الشاعرِ محمود درويش: وطني ليسَ حقيبة وأنا لستُ مسافِرْ.
فالوطنُ يحتاجُ إليكم، ويحتاجُ إلى خبرةِ ونجاعةِ كلِّ منكم، لا تقطعوا العلاقة مع بلدِكم ومدينتِكم. وأذكِّرُكم أيضًا أنَّ الهجرةَ صعبةٌ على المهاجرِ وأهلِه، لأنَّ أحدًا لا يريدُ أن يرى فِلْذَةَ كبدِهِ بعيدًا عنه في مرحلةِ القِطافِ والإنتاج، فالوطنَ يحتاجُ لعقولِكم وسواعدِكم، فابقَوا على صلةٍ وساهموا من حيثُ أنتم ولا تنسَوا جذورَكم ومن أينَ أتيتُم.
أيتها الطاقاتُ الشابة، سأكونُ صريحًا معكم: الشهاداتُ المدرسيةُ والجامعيةُ وحدَها لم تَعُدْ كافية. العالمُ يتغيّرُ أسرعَ من مناهجِنا. وظائفُ ومِهَنٌ كانت موجودةً قبلَ سنواتٍ اختفت. ووظائفُ ومِهَنٌ جديدةٌ لم تكن موجودةً أصبحتِ اليومَ من الأكثرِ طلبًا.
ما أريدُ أن أقولَهُ لكم هو التالي: لا تتوقّفوا عند الشهادة. تعلّموا التفكيرَ النقديّ. لا تقبلوا كلَّ ما يُقالُ أو ما تسمعونَهُ أو تقرأونَهُ على الإنترنت. اسألوا. حقِّقوا. تحدَّوا. تعلّموا وكونوا من المبادِرين. أكبرُ خطرٍ يهدِّدُ البشريةَ، أكثرَ من الحروبِ والأوبئةِ والتغيُّرِ المناخيِّ والأمنِ السيبرانيّ، هو انتشارُ المعلوماتِ المغلوطةِ وغيرِ الصحيحة.
يجب إصلاحُ مناهجِنا التعليميةِ لتواكِبَ سوقَ العملِ العالميَّ لا أن تبقى عالقةً في الماضي، ويجب دعمُ ريادةِ الأعمالِ الشبابيةِ بقوانينَ مرِنةٍ وحاضناتِ أعمالٍ حقيقية، ويجب ربطُ المدارسِ والجامعاتِ بالقطاعِ الخاصِّ وبالمجتمعِ المدنيِّ حتى لا يتخرَّجَ الطالبُ ويجدَ نفسَهُ أمامَ فراغٍ يَحُدُّ من طموحاتِه ومستقبلهِ.
ومن موقعي كنائبٍ في البرلمانِ اللبنانيّ، أقولُ لكم: على مجلسِ النوابِ أن يحملَ صوتَ الشبابِ وهمومَهم، ليس كشعارٍ بل كممارسةٍ تشريعيةٍ فعلية. أنتم شركاءُ في بناءِ الوطن، ومكانُكم في الصدارةِ على طاولةِ القرار. فلا تقبلوا بغير ذلك.
يا فخرَ المقاصد، أنتم جيلُ "زد"، الجيلُ الذي وُلِدَ مع مطلعِ الألفيةِ الثالثة. لقد عايشتُم الثورة الرقمية التي غيّرت شكلَ العالم، لكنَّ هذه التحوّلاتِ رغمَ ما حملتْهُ من فُرَصٍ واسعة، جاءت محمَّلةً بتحدياتٍ كبيرة؛ من عدمِ الاستقرارِ الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ والسياسيّ، إلى الأزماتِ العالميةِ التي طالت آثارُها الجميع. من هنا، فإنَّ مسؤوليتَكم لا تقتصرُ على مجاراةِ هذا العالم، بل تتجاوزُ ذلك إلى فهمِهِ بعمق، والتأثيرِ فيه عبرَ العلمِ والمعرفة وروحِ المبادرة.
لقد كانت ثانويةُ المقاصد، على مدى أكثرَ من مئةٍ وخمسينَ عامًا، منارةً للعلمِ ورمزًا للمعرفةِ والعطاء، وخرَّجَت أجيالًا متعاقبةً لم تحملِ العلمَ وحدَه، بل حملت معه قِيَمًا أخلاقيةً ووطنيةً وإنسانيةً شكّلت جزءًا من هُويّةِ هذه المؤسّسةِ ورسالتِها. ستبقى المقاصدُ على عهدِها، تؤمنُ بأنَّ العلمَ هو الطريقُ الأصدقُ إلى التغيير، وأنَّ بناءَ الإنسانِ يسبِقُ بناءَ أيِّ مشروعٍ آخر، لأنَّ الإنسانَ الواعيَ والمسؤولَ هو القادرُ على صناعةِ مستقبلٍ أفضلَ لنفسِهِ ولمجتمعِهِ ووطنِه.
وأختمُ بكلماتٍ من القلب، فيا أملَ الوطنِ والأمّة، لا تنتظروا الظروفَ المثاليةَ لتبدأوا. ابدأوا من حيثُ أنتم، وبما تملكون: فكرةً، مهارةً، شغفًا ما، إرادةً، إيمانًا، ومبادرةً.
كونوا الجيلَ الذي يكسِرُ دائرةَ الإحباطِ التي نتوارثها جيلًا بعدَ جيل، والتي كثيرًا ما نبرِّرُها بالظروف الاستثنائية، أو بنظريةِ المؤامرة. اكسِروا قيودَ الطائفيةِ والمذهبيةِ التي تفرِّقُنا، وأنهُوا دائرةَ الاتكالِ على الآخرينَ بدلَ الاعتمادِ على الذات، ودائرةَ انتظارِ الحلولِ من الخارجِ بدلاً من صناعتِها في الداخل. اكسِروا هذه الحلقاتِ جميعَها. فهذا هو الطريقُ الحقيقيُّ للنهوض، وهذه هي السيادةُ الحقيقيةُ غيرُ المنقوصة.
صيدا بحاجةٍ إليكم، والوطنُ بحاجةٍ إليكم، ليس فقط كقوًى عاملةٍ في المؤسّساتِ والمكاتبِ والمصانع، بل كقادةٍ ومبادِرينَ ومواطنينَ فاعلين، يرفضونَ أن يكونوا مجرّدَ أرقامٍ في إحصاءاتِ البطالةِ أو الهجرة.
أنتم صُنّاعُ الغد، فكونوا على قدرِ الثقة، وعلى قدرِ الأمانة، وعلى قدرِ الآمالِ الكبيرةِ المعقودةِ عليكم.
واحملوا اسم المقاصد وصيدا عاليًا.



