من ركلات الترجيح إلى نبض الملايين: مصر تصنع الحكاية!!

لم أكن يومًا من هواة كرة القدم، ولم أكن من أولئك الذين يضبطون ساعاتهم على مواعيد المباريات أو يحفظون أسماء اللاعبين والبطولات.. كنت دائمًا أتساءل بدهشة: كيف يمكن لكرة صغيرة أن تحشد خلفها هذا الكم الهائل من البشر؟ كيف للعبة أن تشغل بال العالم كله وأن تُجمّد حركة الحياة لساعات؟
كيف للناس أن يتركوا أعمالهم.. ويؤجلوا مواعيدهم.. ويعيدوا ترتيب يومهم بالكامل من أجل تسعين دقيقة فقط؟
كانت الأسئلة تتزاحم في رأسي مع كل انطلاقة لمباريات كأس العالم.. إلى أن وجدت نفسي فجأة أمام تجربة جعلتني أفهم سرّ هذه اللعبة التي حيّرتني طويلًا.
لم يكن بيني وبين كرة القدم علاقة تُذكر.. لكن مباراة منتخب مصر أمام أستراليا دفعتني بطريقةٍ ما إلى الاقتراب أكثر من هذا العالم، وربما لأن مصر ليست مجرد بلد عربي بالنسبة لنا.. فهي ليست اسمًا عاديًا على خارطة العالم.
مصر بالنسبة لجيل كامل هي ذاكرة عربية مشتركة.. هي الأفلام التي كبرنا عليها.. والمسلسلات التي دخلت بيوتنا.. والأغاني التي حفظناها دون أن نشعر.. هي حضارة تمتد لآلاف السنين.. وتاريخ يسبق الزمن.. واسم ظلّ دائمًا يحمل شيئًا أكبر من حدود الجغرافيا.
لذلك وجدت نفسي ودون تخطيط أتمنى الفوز لـ "أم الدنيا"، وحرصت على متابعة تلك المباراة حصراً.
مع انطلاق المباراة اكتفيت بمتابعة النتائج ومعرفة من سجل ومن أضاع.. لكن شيئًا فشيئاً بدأت أنجرف داخل الحالة نفسها التي يعيشها الملايين.. بدأت أفهم لغة كرة القدم التي كانت غريبة عني (شوط أول، تعادل سلبي، ركلات ترجيح، صافرة نهاية، أهداف ترفع نبضات القلوب).
ثم جاءت ركلات الترجيح.. للمرة الأولى وجدت نفسي متسمّرة أمام الشاشة.. ألاحق الكرة بعيني وأسبقها بخفقات قلبي، ومع كل ركلة ناجحة لمصر كانت الحماسة تكبر داخلي وكأنني أشجع منذ سنوات طويلة لا منذ دقائق.
وحين أُعلن تأهل مصر إلى الدور الـ16 شعرت بفرحة غريبة تنتابني.. انتهت المباراة لكن تداعيات الفوز لم تنتهِ.. وجدت مشهدًا لا يشبه شيئًا آخر على مواقع التواصل الاجتماعي.. ملايين المصريين يحتفلون بطريقة لا يمكن وصفها بسهولة.. رأيت شعبًا لا يحتفل بفوز مباراة فحسب بل يحتفل بوطن كامل.. رأيت أعلام مصر ترفرف في كل مكان، وشوارع تنبض بالفخر، ووجوهًا تضيئها الفرحة والانتماء.
أدهشني أن العلم المصري كان البطل الآخر للمشهد.. كان حاضرًا في كل صورة وفي كل مقطع فيديو وفي كل صرخة فرح، وكأن الكرة لم تجمع الناس حول فريق فقط، بل جمعتهم حول معنى أكبر اسمه الوطن.
حينها فهمت أخيرًا ما لم أفهمه طوال السنوات الماضية.. كرة القدم ليست مجرد لعبة بل حالة إنسانية كاملة.. هي اختصار للحب والانتماء والهوية والحلم.. هي لحظة نادرة تملك القدرة على أن تجعل شعبًا كاملًا ينبض بقلب واحد، وأن تجعل الملايين ينسون اختلافاتهم ويجتمعون حول فرحة واحدة.
واليوم نحن لا نفرح لمصر وحدها، بل نفرح لأن منتخبًا عربيًا استطاع أن يكتب اسمه بين الكبار، وأن يصل إلى مرحلة جديدة من الحلم حاملًا معه آمال الملايين من المحيط إلى الخليج.
مبروك لمصر.. مبروك لأم الدنيا.. أرض الفراعنة.. مهد الحضارات والتاريخ.. ومبروك لكل عربي رأى في هذا الإنجاز جزءًا من حلمه الشخصي.
ولعلّ أجمل ما فعلته مصر في تلك الليلة أنها لم تربح مباراة فقط بل ربحت القلوب أيضًا، جعلتنا نؤمن أن كرة صغيرة تستطيع أن تحمل أوطانًا كاملة فوق كتفيها، وأن ترفع علمًا في السماء فيشعر الملايين أنه علمهم أيضًا.
ويبقى السؤال الذي يتردد في القلب قبل اللسان: يا مصر.. بتعمليها إزاي؟
بقلم: حنان نداف


