أكثر الأزمات النفسية الخفية التي يعيشها كثير من شباب هذا العصر
من أكثر الأزمات النفسية الخفية التي يعيشها كثير من شباب هذا العصر ذلك الشعور المستمر بالإجهاد والانشغال، مع غياب الإحساس الحقيقي بالإنجاز.
يمضي اليوم مزدحمًا بالتفاصيل: مقاطع لا تنتهي، ودورات متراكمة، وكتب محفوظة في الهاتف، وأفكار مؤجلة، وتخطيط مستمر للمستقبل… لكن حين ينتهي النهار، يظهر ذلك الفراغ الداخلي المرهق: أين النتائج الحقيقية؟
لقد نشأت حالة يمكن وصفها بـ “الانشغال الجاف”؛ حركة ذهنية مستمرة تعطي الإنسان شعورًا مؤقتًا بأنه يتقدم، بينما هو في الحقيقة يدور داخل دائرة الاستهلاك نفسها دون انتقال فعلي إلى ميدان البناء والعمل. فالعقل أحيانًا يخلط بين “متابعة المعرفة” و”صناعة الإنجاز”.
متابعة عشرات المقاطع عن النجاح لا تصنع نجاحًا، وجمع الدورات لا يصنع مهارة، والتخطيط المستمر لا يبني مشروعًا ما لم يتحول إلى خطوات واقعية متكررة.
وفي الوقت نفسه، يعيش كثير من الشباب تحت ضغط المقارنات اليومية. يرون على الشاشات نماذج لنجاحات سريعة، وأرباح ضخمة، وحياة مثالية تُعرض بصورة متواصلة، فيتسلل إليهم شعور خفي بأنهم متأخرون عن الجميع، حتى وهم ما زالوا في بدايات أعمارهم.
وهنا تتشكل حالة من الإرهاق النفسي الصامت: إحساس دائم بأن الحياة تتحرك بسرعة، وأن الآخرين يسبقون، بينما يبقى الإنسان عالقًا بين التفكير الطويل والمتابعة المستمرة دون بناء حقيقي.
لكن الحقيقة الأعمق أن الحياة لا تُبنى بالقفزات المفاجئة كما توحي الشاشات. النضج الحقيقي، والمهارات الحقيقية، والنجاحات العميقة… تُبنى غالبًا بطريقة هادئة وبطيئة ومتراكمة.
خطوات صغيرة تتكرر كل يوم، لكنها مع الوقت تصنع فرقًا هائلًا في الشخصية والوعي والقدرة والتأثير.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بحجم ما يعرضه أمام الناس، بل بامتلاكه لاتجاه واضح، ورسالة يعيش لها، وقدرة على الاستمرار الهادئ رغم الضجيج والمقارنات والإغراءات السريعة.
فالفرق بين من يبنون أنفسهم فعلًا، ومن يستهلكون أعمارهم في المتابعة فقط… أن الفريق الأول انتقل من عالم “الاستهلاك” إلى عالم “الفعل”. مهارة واحدة تُبنى بصدق، أو عادة يومية ثابتة، أو ساعات منتظمة من التعلم والعمل الحقيقي… قد تغيّر حياة الإنسان أكثر من سنوات طويلة من التشتت والانبهار المؤقت.
إن كثيرًا من الأبواب الكبيرة لا تُفتح بالركض خلف البريق السريع، بل بالعمل المتراكم، والصبر الطويل، والثبات الهادئ الذي لا يراه الناس في بداياته.
المربي د. عبد الكريم بكار




