بلال كرجيه… أمين المشتريات الذي حوّل العمل إلى كرامة ورسالة
بقلم: خليل إبراهيم المتبولي
في زوايا العمل التي لا تُرى غالبًا، حيث تُدار التفاصيل بصمتٍ بعيدًا عن الأضواء، كان بلال كرجيه حاضرًا كواحدٍ من أولئك الذين يبنون المؤسسات من الداخل، دون أن يطلبوا اعترافًا أو تصفيقًا. رحل بلال، مسؤول المشتريات في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا، لكنه ترك خلفه سيرةً ناصعة من الإخلاص، تُروى بما أنجز لا بما قيل.
لم يكن موقعه مجرد وظيفة إدارية تُعنى بالأرقام والعقود، بل كان قلبًا نابضًا في شريان العمل اليومي للمؤسسة. في عالم المشتريات، حيث الدقة أمانة، والقرار مسؤولية، كان بلال نموذجًا نادرًا للنزاهة والوعي. يعرف أن كل موردٍ يتم تأمينه، وكل ليرة تُصرف، هي في حقيقتها حقٌ للناس، وأمانة في عنقه. لذلك، كان يتعامل مع عمله بضميرٍ يقظ، يوازن بين الجودة والاحتياج، وبين الكلفة والكرامة، واضعًا نصب عينيه أن ما يقدّمه يصل في النهاية إلى إنسان يستحق الأفضل.
كان حضوره يتجاوز حدود المهام المكتبية، ليصبح جزءًا من روح المؤسسة. يسبق الجميع إلى العمل، ويتأخر عن المغادرة، ليس لأن العمل يفرض عليه ذلك، بل لأن إحساسه بالمسؤولية لا يعرف التوقيت. يلاحق التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، ويحرص على أن تكون كل حاجة للمؤسسة مؤمّنة بكرامة، وكأنّه يجهّز بيتًا يعرف أن أهله ينتظرونه.
في أروقة جمعية المقاصد، لم يكن بلال مجرد مسؤول مشتريات، بل كان وجهًا مألوفًا للثقة، واسمًا يُذكر حين يُراد الحديث عن الأمانة. ابتسامته الهادئة، صبره، واستعداده الدائم للمساعدة، جعلت منه مرجعًا إنسانيًا قبل أن يكون إداريًا. كان يدرك أن العمل الاجتماعي لا يقوم فقط على تقديم الخدمة، بل على الطريقة التي تُقدّم بها، وعلى الروح التي ترافقها.
أما صيدا، فكانت أكثر من مدينة في وجدانه؛ كانت انتماءً حيًّا. أحبها كما تُحب الأم أبناءها، ودافع عنها من خلال عمله اليومي، محافظًا على صورة المؤسسة التي تشكّل جزءًا من نسيجها الاجتماعي. كان يرى في كل تفصيلٍ يُنجزه خدمةً للمدينة وأهلها، وإسهامًا في صمودها رغم الأزمات.
وفي عمق فكره، حمل بلال قناعةً راسخة بالعدالة الاجتماعية، وانحيازًا صادقًا إلى كرامة العمال والموظفين. كان قريبًا منهم، يشعر بما يشعرون به، ويقف إلى جانبهم بوعيٍ إنساني، مؤمنًا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بموقعه، بل بما يقدّمه من احترام وعدل. لم يتعامل مع موقعه كسلطة، بل كمسؤولية، وظّفها لخدمة الجميع، لا للتمايز عنهم.
رحل بلال كرجيه، لكن أثره باقٍ في كل تفصيلٍ رتّبه، وفي كل حاجةٍ أمّنها، وفي كل ثقةٍ زرعها في قلوب من عملوا معه. رحل جسدًا، وبقيت سيرته مثالًا حيًّا على أن الأمانة في العمل ليست تفصيلاً، بل جوهرٌ يُبنى عليه كل شيء.
رحمه الله، وجعل إخلاصه في ميزان حسناته، وترك لنا من بعده درسًا عميقًا: أن من يعمل بصمتٍ وضمير، يصنع أثرًا لا يزول، حتى وإن غاب.


